من توأمة الرياضة والجيش الى بطولة العالم العسكرية في التزلج

MAHMOUD TAY ABOU DARGHAM

التزلج على الثلج في لبنان

SKI AU LIBAN

من توأمة الرياضة والجيش الى بطولة العالم العسكرية في التزلج

اللواء الركن محمود طي أبو ضرغم في رحلة رياضية ثلجية

تحدث الرئيس الفخري لاتحاد التزلج اللواء الركن المتقاعد محمود طي أبو ضرغم، عن اهمية الرياضة في الجيش ومساهمة المؤسسة العسكرية في الرياضة اللبنانية والعالمية. وروى كيف صقل الجيش اللبناني رياضته الخام، فهذبها ونماها فارساً ورامياً وعداء وسباحاً وسيافاً، في الخماسي الحديث، ونازلها فوق الثلوج في أعلى القمم رافضاً ان يخضعه ذهب لبنان الابيض، فامتطاه متزلجاً، قائداً لمدرسة التزلج، واعطى القارة الاوروبية دروساً في التنظيم، ناقلاً بطولة العالم العسكرية للمرة الاولى الى وطن الارز.

ں متى بدأت حياتك العسكرية؟

- انتميت الى المدرسة الحربية في 1950. كنت تلميذاً ضابطاً وكانت الابنية وقتذاك عبارة عن اكواخ من الواح الصفائح “التوتيا” واذكر وقع حبات البرد في الشتاء، وكنا نبقى مستيقظين حتى انتهاء جولات البرد المتساقط على تلك الالواح.

ں متى اضطلعت للمرة الاولى بدور رياضي؟

–مع دخولي الجيش، لم اكن بطلا رياضيا، بل كنت امارس الرياضة في شكل فردي وكنت احبها، وانا الآتي من جو جبلي، وفي الجبال لم يكن هناك ملاعب رياضية، بل كنا نمارس الرياضة في شكل عفوي ويومي، وفي الاساس كنت احب الرماية والصيد والرياضة. عندما تخرجت من المدرسة الحربية خضت دورة مشاة في فرنسا، بعدها انتدبت مدربا في مكاتب الدراسة واهتممت بتدريب الرتباء والافراد ثم عينت ضابط رياضة ورماية في مرجعيون، فاعتنيت بالرياضيين هناك وكان لدي اربعة عسكريين يحرزون المراكز الاولى في سباق الماراتون على صعيدي الجيش وعلى صعيد لبنان. ولا زلت اذكر اسمين من هؤلاء الذين دربتهم شخصيا وهما محمد العوطة وسليمان العيط.

ں هل كنت تشارك في احدى الرياضات؟

- كنت اتمرن على سيف المبارزة والفروسية، الى ان بدأت المشاركة في الخماسي الحديث، وهذا نشاط يشارك فيه الضباط فقط، ويتضمن فروسية ورماية وسباحة وسباق الضاحية وسيف المبارزة. كنت في غالبية الاحيان احرز المركز الاول في الفروسية، كذلك في الرماية.

ں لمَ ارتبط اسمك برياضة التزلج؟

- عام 1959 تم تعييني قائدا لمدرسة التزلح.

ں هل كنت تمارس رياضة التزلج قبل ذلك؟

- شاركت في دورة تزلج عام 1956 واحرزت المركز الاول من بين عشرة ضباط. وفي 1959 ارادوا ان يرسلوا ضابطا الى الارز، وبعد ان فتشوا في الارشيف وجدوا اني كنت احرزت المركز الاول في الدورة الآنف ذكرها. ارسلت الى الارز قائدا لمدرسة التزلج، ولم اكن وقتذاك متزلجا بارعا، انما قلت لنفسي “بطلع لفوق وبيمشي الحال”. عندما صعدت الى الارز كان الطقس لا يزال صافيا، ومع هبوب العاصفة وانهمار الثلوج وجدت نفسي سجينا كوني لا اعرف التزلج جيدا.

والعسكر الذين كانوا معي هم ابطال التزلج. ابطال للبنان ويتزلجون كالغزلان، فأحسست بحالة من الضعف، قائد لا يعرف التزلج، في حين انه يجب ان اكون افضل من جنودي. بالنسبة الي، لم اكن في وارد البقاء محاصرا بالثلوج، فأرسلت بطلب المدرب وسألته عن الوقت اللازم ليصبح الفرد متزلجا ماهرا واجاب: “حوالى شهرين اذا تدرب يوميا في فترة قبل الظهر”. وعدت وسألته: “واذا تدربت قبل الظهر وبعده؟”. فقال ان المدة تصبح شهرا، الا ان ذلك شبه مستحيل نظرا الى التعب الكبير الذي تتسبب به كثافة التمرين.

وطلبت منه الا يهتم لذلك، ويعين افضل المدربين لتدريبي، واحد قبل الظهر، والآخر بعده.

وقتذاك، قررت الا انزل ولا مرة الى بيروت قبل ان اقود مدرسة التزلج، وليس ان تقودني هي.

وهكذا كان، فبعد شهر طلبت اقامة تمرين في الجبل، واذكر اننا صعدنا مشيا حاملين لوحات التزلج ونزلت كما المدربين دون ان يتفوقوا علي بالمستوى، عندها احسست فعليا انني قائد المدرسة بعدما اصبحت ملما بهذا  العمل مثل الآخرين.

 لهذا السبب تعلقت برياضة التزلج، نظرا الى انه لدينا الامكانات وعندنا مدرسة التزلج ودعم الجيش الذي لم يكن يبخل بشيء، والذي كان يعي اننا البلد الشرق اوسطي الوحيد الذي ينعم بالثلوج.الآخرون لديهم الذهب  الاسود اما نحن فعندنا الذهب الابيض الذي يجب استعماله ليس للشعر فقط، بل اقتصاديا من خلال السياحة، الى الرياضة.

طلبت من القيادة اعطائي 25 جنديا اضافيا في سن الـ18، وشكلت فريقا للتزلج يشارك في المباريات وآخر للتدريب، وذلك في سنة واحدة، واصبحنا ابطال لبنان في التزلج ولم يخترق هذه المجموعة سوى احد المدنيين من ابناء بشري ويدعى نزيه جعجع.

ں كيف استقدمتم بطولة العالم العسكرية الى لبنان؟

- كنت قد عينت مفتشا للرياضة والرماية في الجيش اللبناني، وانا في رتبة نقيب، كما اصبحت ممثلا للجيش اللبناني لدى المجلس الدولي للرياضة العسكرية. رأيت ان ننظم حدثا عالميا على صعيد التزلج، انما كنت افتقر للاداة المادية والعملية. طلبت ان ادرب فوج المغاوير الذي اسست والذي بلغ عديده وقتذاك 150 عنصرا، فدربتهم على التزلج بمساعدة مدرب نمسوي ومدربي المدرسة، فأوجدت اليد العاملة لتنظيم بطولة العالم العسكرية للتزلج في لبنان. لم يوافق المجلس الدولي للرياضة العسكرية على تنظيم البطولة، اذ ان البلاد الشمالية كانت تظن ان لبنان بلد صحراوي لا يستطيع استضافة مباريات تزلج، وسمعت شخصيا في احد الاجتماعات ان “هذا البلد قريب من الصحراء فكيف يمكننا نحن دول الشمال المشاركة هناك، طالما ان المباريات تسجل كنقاط دولية؟”. شخصيا، لم اوفر وسيلة لاقناع الدول الاسكندينافية بقدرة لبنان على استضافة الحدث، واستعنت لذلك بصديقي الامين العام للمجلس الدولي للرياضة العسكرية البلجيكي راوول موليه الذي يحب لبنان كثيرا، فتقرر اقامة اول بطولة تزلج عسكرية في لبنان عام 1967، وحملت الرقم 12 وكانت الاولى خارج القارة الاوروبية، واتسمت بنجاح هائل، وشاء الله ان يساعدنا فيه، اذ كان الطقس صافيا طوال 15 يوما، في حين اننا احتجنا لـ11 يوما فقط. وفي اليوم الاخير، حين كنا ننزل الاعلام خلال حفل الاختتام، تساقط النفناف علينا مودعا.

ں ماذا عن المشاركة اللبنانية؟

- كانت فاعلة واحرزنا نتائج جيدة، انما فنيا، نظمنا البطولة كما الاوروبيين وافضل. الممثل الثاني للمجلس الدولي للرياضة العسكرية وقتذاك كان الكولونيل الفرنسي المظلي لوبورن، قال في حفل الختام: “ربما استطعت ان افهم كيف استطاع هؤلاء الضباط الفتيان تنظيم البطولة في شكل لافت، انما ما لم افهمه هو كيف استطاعوا ان يعطوا امرا للطبيعة بأن تصحو 15 يوما”. اجبته: “ان الطبيعة تشعر معنا ايضا، وتودعكم وداع الابطال العائدين مظفرين من المعارك الرابحة، وهي ترش عليكم النفناف كما يرش الارز”. واذكر حادثة طريفة تمثلت في ان احد المراقبين، وهو كولونيل اسوجي رافق فريقه ليكتسب خبرة تنظيمية كون دولته كانت تنوي استضافة الحدث في العام التالي، طلب مني الاجتماع بـ”الجنرال” مدير هذه الدورة، دون ان يدري اني كنت مديرها، وبرتبة نقيب. فسألته متى يريد الاجتماع، فقال في اي وقت يريد، فأجبت: سوف ابلغه ان يلاقيك عند الخامسة. وعند الوقت المتفق عليه اتيت، وكذلك فعل، قدمت له كأس براندي وبعد عشر دقائق قال: “يبدو ان الجنرال مشغول”. فأجبته: “كولونيل، الجنرال الذي تبحث عنه هو انا”، فوقف مندهشا: “انت (كررها مرتين) المسؤول عن كل ذلك؟”

“نعم” اجبت مشيرا الى ان جميع من ساعدني من الضباط الفتيان لا تعلو رتبتهم عن ملازم اول. عندئذ وقف مؤديا التحية، ورددت بالمثل. بعد ذلك تكلم قائلا: “اهنئك من كل قلبي. دعني اخبرك اننا لم نقع على اي خطأ فني، ولو بسيطا ضمن المباريات كلها التي اتت ضمن الاصول الفنية، وفي السنة المقبلة في اسوج، سوف نضع لواءا كاملا بتصرف المباريات من ضباط وعسكريين بآلياتهم وعتادهم”.

اما نحن “شو كان عنا؟” 150 مغوارا و50 عسكريا والمدربين اضافة الي والى الضابط. وقد ساعدنا اتحاد

التزلج فنيا. هذا هو لبنان، واهم ما فيه “الارز”، حيث تنتشر الفنادق التي وزعنا الفرق فيها، وما يميز هذه الفنادق موقعها بحيث تركب الواح التزلج وتمشي على الثلج في شكل مباشر دون الحاجة الى وسيلة نقل مثلما الحال في بلدان اخرى.

ں ماذا عن عملك في اتحاد التزلج؟

- منذ كنت قائد مدرسة التزلج، كنت دائما رئيس اللجنة الفنية في اتحاد التزلج. وبعدما اصبحت نائبا للرئيس، وكنت لا ازال في الجيش، وكان رئيس اتحاد التزلج وقتذاك الدكتور اميل رياشي، ولم نكن لنبحث موضوع رئاسة الاتحاد اذ كان ممنوع علينا في الجيش اللبناني ان نترأس اتحادات.

وبعد تقاعدي، طلب مني ان اترأس اتحاد التزلج فقبلت، ويا ليتني لم افعل، اذ وللاسف، تدخلت الطائفية، وانا لست طائفيا، فتركت رئاسة الاتحاد بعدما تسلمته فترة من الزمن. وكنت من الذين رشحوا العقيد (وقتذاك) الياس حنا لرئاسة الاتحاد، بعدما نصحتهم باللجوء الى الجيش.

وبالعودة الى التزلج العسكري، اريد ان اذكر اننا نظمنا البطولة العالمية العسكرية مرة اخرى عام 1972، بعدما طالب بذلك الاوروبيون الذين كانوا يعارضون تنظيمها في لبنان في المرة الاولى. وقتذاك كنت اصبحت برتبة مقدم وقد لاقت البطولة الثانية النجاح الذي شهدته الاولى، ولا اعتقد انه باستطاعتنا  تكرار هذا الانجاز بعد الحرب وتراجع التزلج على الصعيد العسكري.

ں ما رأيك بعمل اتحاد التزلج اليوم؟

- حاليا هناك محاولات  لتحسين رياضة التزلج من قبل الاتحاد  الذي يضم اشخاصا اعرفهم وهم من المخلصين للعبة، انما ليس بيدهم حيلة، اذ يعترضهم العائق المادي الذي يحول دون تنظيم المباريات، والمشاركات الخارجية الكافية.

وبالنسبة الى الثلج، بامكان الدولة اللبنانية  ان تستفيد منه عبر ارسال هيئات فنية لدراسة المواقع الثلجية في لبنان، وتحويل ما يمكن منها الى مراكز سياحية تستقطب الاوروبيين لممارسة التزلج تحت الشمس وليس تحت الضباب كما هو حاصل في بلدانهم، ويستفيد من ذلك الاهالي الذين يجدون عملا في قراهم، فيتحول الثلج من منظر شاعري الى موضوع اقتصادي.

ں ما الذي يحول دون تقدم الرياضة؟

- كل مسؤول رياضي جديد يلغي مشاريع سلفه، حتى لو كانت قيّمة  ويبدأ بمشاريعه الخاصة. لذا يبقى الوضع “راوح مكانك”. هذه المشاريع يجب تسليمها الى اختصاصيين دون ان يتوقف تنفيذها مع مجيء مسؤول ورحيل آخر.

ں الى اي حد ساهمت الرياضة بتبوئك المناصب العليا؟

- ساعدتني الرياضة قبل كل شيء على تأمين امر مهم بالنسبة الى الضابط وهو الروح  السمحة والصبر على التعب، وتحمل مشقات الوظيفة ومعرفة الاتصال بالاخر في الاتجاهين: التعامل مع الرؤساء في شكل منضبط واحترام سلّم التراتبية في الحياة العسكرية، والتعامل مع المرؤوسين من خلال علم النفس القيادي، كل بحسب الطريقة الملائمة به، دون اعتماد طريقة التهويل كقاعدة ثابتة، بل العمل على كسب ثقة المرؤوس ومحبته، وبذلك يتم تنفيذ الامر في شكل صحيح ومتفان.  

بالاضافة الى ذلك، اعطتني الرياضة الصحة لأكمل في حياتي العسكرية، والعقل السليم،كما يقول المثل،  وشجعتني على اكتساب الثقافة عبر التواصل مع الاخرين والاحتكاك بالغير، ما لفت نظر رؤسائي، فكلفوني بمهمات كبيرة جعلتني اقفز الى الامام برتب جديدة.

حاوره شربل الياس - النهار

عودة الى التزلج

abdogedeon@gmail.com

ABDO GEDEON   توثيق

Free Web Counter